القرطبي
340
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله . ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه . وقال أبو حنيفة والشافعي : وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق ، فأما قبل ذلك فلا . واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة . قلنا : كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة ، وقد يموت من لم يمرض . الخامسة - قال مالك : إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث . ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك ، لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح . السادسة - قال يحيى : وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال : إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ما له شيئا إلا في الثلث ، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال . ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص . وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما . قال ابن العربي : وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض ، وإنكار ذلك غفلة في النظر ، فإن سبب الموت موجود عندهما ، كما أن المرض سبب الموت ، قال الله تعالى : " ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون " . وقال رويشد الطائي : يا أيها الراكب المزجي مطيته * سائل بني أسد ما هذه الصوت ( 2 ) وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا * قولا يبرئكم إني أنا الموت ومما يدل على هذا قوله تعالى : " إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ( 3 ) " . فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : الحال الشديدة إنما هي المبارزة ، وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة ( 4 ) العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ، ومن سوء الظنون بالله ، ومن زلزلة القلوب واضطرابها ،
--> ( 1 ) راجع ج 4 ص 220 . ( 2 ) الصوت : الجرس ، مذكر . وإنما أنثه هنا لأنه أراد به الضوضاء والجلبة ، على معنى الصيحة أو الاستغاثة . ( 3 ) راجع ج 14 ص 144 . ( 4 ) في ج : مقاربة .